شاب على مشارف العشرين من العُمر يحضر برفقة والده إلى معهد للصم في الرياض، يريد حلاً لمشكلة ابنه، فما هي مشكلة الابن؟ المشكلة أن هذا الشاب يعاني من ضعف في السمع، لم يدرس إلا سنة واحدة في الصف الأول الابتدائي، وعندما رأى الوالد صعوبة دراسته آنذاك، ولم يكن هناك وقتها برامج للصم أو لضعاف السمع في المدارس، ففضَّل أن يقوم هذا الابن بمساعدته في الرعي أو الزراعة وغير ذلك من الأعمال التي يعين بها والده. وقد حدثت قصص مشابهة لصم أصغر وأكبر من هذا الشاب، ولذوي إعاقة غير الصمم كذلك!
شاب بهذا العمر ويعاني من إعاقة لم يدرس إلا سنة دراسية واحدة وفاشلة، مَن يتحمل مسؤولية تغييبه عن التعليم وعن الحياة السوية والكريمة كما يعيشها أقرانه؟
إن المسؤولية لمثل تلك المشكلة تتوزع على أطراف عدة، لا شك أن الوالدين والإخوة الكبار لهؤلاء لهم نصيب منها، وتزداد أو تقل درجة مسؤوليتهم بحسب درجة ثقافتهم أو تعليمهم، فالأب والأم والأخ غير المتعلمين مسؤوليتهم ليست كمسؤولية المتعلمين منهم بكل تأكيد.
ثم هناك مسؤولية أكبر تقع على مسؤولي التعليم في تلك المناطق التي يوجد بها مثل هؤلاء المعاقين، بدءاً من المعلمين والمرشدين والمديرين وانتهاءً بمديري التعليم، ومروراً بمسؤولي حملات محو الأمية الصيفية
الذين لهم فضل بعد الله في مكافحة الأمية في المناطق النائية، ولكن الأمية ليست وقفاً على الكبار فقط، وعلى الأشخاص العاديين فقط، فلماذا لا يُلحق بهم الشباب وذوو الإعاقات؟
نعم، إن البحث عن هؤلاء ليس من صميم مسؤولية معلمي ومشرفي تلك الحملات، ولكن ألم يكن من الأفضل والأشمل والأفعل أن يقوموا بالبحث عن مثل هؤلاء في تلك المناطق النائية، ولو من باب الاحتساب؟
ولماذا لا تُكوَّن لجنة من وزارة التربية والتعليم هدفها البحث عن هؤلاء الغائبين أو المغيبين عن خارطة التعليم في كل مراحله وكل أنواعه العام والخاص في أنحاء مملكتنا العزيزة؟
إن الواجب علينا نحو هؤلاء: البحث عنهم وليس انتظار قدومهم لتُقدَّم لهم الخدمات التي تأتي في أحيان كثيرة متأخرةً، وتأتي كذلك على شكل (فزعة) وليست كحق لهم وواجب علينا جميعاً دون استثناء كبيرنا وصغيرنا في جميع قطاعات الدولة، وفي كل الجوانب، ومنها الجانب الأهم وهو الجانب التعليمي.
ثم إن انضمام المملكة العربية السعودية لاتفاقية (حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة) والتوقيع على البروتوكول الاختياري، وما تتضمنه من حقوق واجب تقديمها لهم في كل المجالات ومنها الجانب التعليمي، ليدعو بقوة لمثل هذا المطلب المُلح وأعني به البحث عن هؤلاء وتقديم كافة الاحتياجات لهم. وليس ببعيد عنا ما نُشِر في وسائل الإعلام قبل سنوات قلائل عن عائلتين سعوديتين أفرادهما من الصم، يعيشون في إحدى المناطق النائية من بلادنا، ولولا رحمة الله وفضله ثم بطولة ومروءة صحفي سمع عنهم لطواهم النسيان!
فقد ذهب إليهم وكتب عنهم تقريراً مفصلاً سلَّط فيه الضوء على مأساتهم، فكان التدخل سريعاً من أهل الخير في هذه البلاد المباركة لتقديم يد العون لهم وانتشالهم من وضعهم المأساوي. وهذا أيضاً يجعلنا نضيف طرفاً آخر له نصيب من المسؤولية في هذا الجانب وهو الإعلام بكافة وسائله!
فهل ينتظر كل ذوي الإعاقة المنسيين أو المغيبين مثل هذا الصحفي ليلفت الأنظار إليهم، ويستنجد (بأهل الخير) ليساعدوهم؟
إشارة:
جاء في حديث طويل في مسند الإمام أحمد أنَّ من أبواب الصدقة:
((وتعزل الشوكة عن طريق الناس والعظم والحجر، وتهدي الأعمى، وتسمع الأصم والأبكم حتى يفقه، وتدل المستدل على حاجة له قد علمت مكانها، وتسعى بشدة ساقيك إلى اللهفان المستغيث، وترفع بشدة ذراعيك مع الضعيف، كل ذلك من أبواب الصدقة ...)) الحديث.